أحمد بن علي القلقشندي

50

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

صوان ، وحكَّامها بمعاضدته في أعلى درجة وأرفع مكان - أن يفوض إليه . . . فليباشر هذه الوظيفة مباشرة مثله لمثلها ، وليعمل بما يعلمه من أحكامها فهو ابن بجدتها ( 1 ) والخبير بمسالك وعرها وسهلها ؛ فهو الحاكم الَّذي لا يساوى ، والإمام الَّذي يقتدى به في الأحكام والفتاوى ؛ فعليه بالتأنّي في الأحكام ، والتّثبّت فيما يصدر عنه من النّقض والإبرام ؛ ولينظر في الأمر قبل الحكم المرّة ثم الأخرى ، ويكرّر النّظر في ذلك ولو أقام شهرا ، ويراجع أهل العلم فيما وقف عليه ويشاورهم فما ندم من استشار ، ويقدّم استخارة اللَّه تعالى في سائر أموره فما خاب من استخار ، وليدر مع الحق كيف دار ، ويتّبع الصّواب أنّى توجّه ويقتفي أثره حيث سار ؛ وإذا ظهر له الحقّ قضى به ولو على ابنه وأبيه ، وأعزّ أصدقائه وأخصّ ذويه ، غير مفرّق في فصل القضاء بين القويّ والضّعيف ، والوضيع والشّريف ، ولا مميّز في تنفيذ الحكم بين الغنيّ والفقير ، والسّوقة والأمير ، وليسوّبين الخصوم حتّى في تقسيم النظر إليهم ، كما في موقف الحكم وسماع الدّعوى وردّ الأجوبة فيما لهم وعليهم ، وليستخلف من النوّاب من حسنت لديه سيرته ، وحمدت عنده طريقته ، ويوص كلَّا منهم بما نوصيه به ويبالغ في تأكيد وصيته ، ويستحضر السر في قوله صلَّى اللَّه عليه وسلم : « ألا كلَّكم راع وكلكم مسؤول عن رعيّته » . وليمعن النّظر في أمر الشهود الذين تترتب على شهادتهم أمور الدنيا والفروج والأموال ، ويتفقّد أمرهم في كل وقت ولا يغفل عنهم في حال من الأحوال ، ويحملهم من الطرائق على أحسن وجهها ؛ وأحقّهم بإمعان النظر شهود القيمة والعمائر ، الذين يقطع بقولهم في أملاك الأيتام والأوقاف مما تنفر عنه القلوب وتنبو عنه الضمائر . والوكلاء ( 2 ) والمتصرّفون فهم قوم فضل عنهم الشرّ فباعوه ، واستحفظوا

--> ( 1 ) البجدة : حقيقة الشيء وباطنه . وابن بجدتها : أي العالم بها على حقيقتها . ( 2 ) الوكلاء هم أشبه بالمحامين في عصرنا الحديث ، فكانوا يحضرون إلى مجلس الحكم مع المتخاصمين . وقد وصفهم ابن الأخوة في « معالم القربة في أخبار الحسبة » بأنهم لا خير فيهم لأنهم يأخذون من الخصمين . ووصفه قريب من وصف القلقشندي لهم . ( التعريف بمصطلحات الصبح : 361 ) .